الزراعة:
الشادوف والساقية آلات زراعية قديمة قدم الإنسان النوبي الذي عاش على ضفاف النيل منذ آلاف السنين , إذ كان لا بد له من طريقة مبتكره للاستفادة من مياهه , وكغيرهم بدأ أهل مشو استصلاح الأراضي القريبة من النيل وريها بتلك الآلات البدائية والحديثة بمقاييس ذاك الزمان ولأهمية الساقية في حياتهم اليومية فقد قسمت الأراضي التي سميت بالسواقي بمساحة ( 30 ) فدان تقريباً لكل ساقي. إلا أن ازدياد السكان وضيق الرقعة الزراعية لم تعد تفي حاجة الناس إضافة إلى بعض الأمراض الفتاكة التي أتت على الأبقار ولم تترك وسيلة مناسبة لتشغيل السواقي مما اضطر معه أهل مشو للبحث عن العمل في مشروع المقالدة المجاور(قطاع خاص) غير أن المعاملة لم ترق لهم. وأمام كل هذه الضغوط اتجهت أنظارهم صوب الوابورات الحرارية التي ظهرت حديثا في تلك الفترة فكرة تشبه الخيال التقت بعزيمة الرجال .
شركة تعمير مشو:

تنادى أهل مشو في عام 1935م لإنشاء مشروع يروي أرضهم واستجاب أهل مشو أينما قطنوا فجاءت مساهماتهم والمستعمر بين مصدق ومكذب، إلى أن تقدموا بطلبهم إلى سرايا الحاكم العام البريطاني بدنقلا الذي لم يحتمل خطورة الفكرة وضخامة الطلب فأحاله إلى حاكم عام السودان بالخرطوم وما كان الثاني أقوى مضاءً من صاحبه حتى يبت في أمر كهذا فشفع ما جاءه من مشو بخطاب إلى الملكة فيكتوريا التي أرسلت خبيرا لأهل مشو يفاوضهم في أمرهم الذي لم يكن أول مشروع زراعي وتعاوني في السودان فحسب بل كان ملحمة بطولية حفلت بالدروس والعبر من أول يوم وصل فيه الخبير ومترجموه ليفكوا طلاسم الرطانة إلى العربية ومن ثم إلى الانجليزية وبالعكس. وتزامن انعقاد الاجتماع مع وفاة امرأة من أهل مشو فانفض الجمع وتركوا الخبير قائما يزمجر وكان ردهم " قولوا لهذا الرجل أن يذهب من حيث أتى فنحن لن نفعل شيئا قبل ستر الجثمان وواجب العزاء ". فأيقن أن هؤلاء القوم إذا اجمعوا فعلوا وإذا بدءوا لا احد يردعهم. وعلى إثره تمت الموافقة على قيام المشروع الذي سمى آنذاك مشروع أهالي مشو الزراعي عام 1935م. وبدأ العطاء في 1936م. ونذكر هنا الدور البارز للشيخ ابراهيم عبد القادر في قيام هذا المشروع منذ ان كان فكرة وفي جميع مراحله الى ان اكتمل ، والشيخ سليمان فضل خالد للدور الرائد الذي قام به في الحقب التالية بكل دراية وحنكة. ولما ينطوي عليه العمل الجماعي من مخاطر على المستعمر فقد رفض تسجيل المشروع رغم محاولات أهالي مشو حتى عام 1953م والذي جدد فيه اجتماع المؤسسين أمر تسجيل المشروع تحت اسم شركة تعمير مشو التجارية المحدودة بموجب قانون تسجيل الشركات لعام 1925 باستشارة الأستاذ المحامي محمد احمد محجوب مستشار الشركة القانوني.

هذا المشروع جعل المستعمر يلوي عنقه بشده نحو إنسان هذه المنطقة ويكتب في رسالة لملكة بريطانيا إن أهل مشو أقاموا مشروعاً زراعيا تعاونيا هو أول مشروع زراعي تعاوني في السودان يقف شاهدا على عظمة وجسارة أبناء مشو منذ تأسيسه في 1935م ، وتبقى لحظة دفع المياه عبر الأنبوب من النيل إلى الترعة لحظة تاريخية ومشهدا محفورا في الذاكرة يتناقله الأجيال بكل تفاصيله ، وكان تعميرا بحق وخيراً وبركة على اهل مشو قاطبة وتتابعت الانجازات.

جمعية مشو الزراعية:
مكن المشروع الأول من ري كامل السواقي الشمالية وبدأت فكرة استغلال أراضي السواقي الجنوبية فقامت جمعية مشو الزراعية بأهداف كبيرة منها ري تلك السواقي والحفاظ على الأراضي الحكومية داخل شياخة مشو وإيقاف محاولات آل مقلد من استغلال أراضي القرية عبر مشروعهم وتم التنفيذ عام 1948م لتدخل كل سواقي مشو في نطاق الري بالمشروعين عدا جزء يسير ألحق بمشروع المقالده، ولكن تبقى العين ساهرة ما بقيت بقعة لم ترو.
مشروع كمنية:

فضل روح الوفاق والاتفاق التي ترسخت بدأ العمل في تنفيذ المرحلة الثالثة والكبرى على الإطلاق والمتمثلة في ري الأراضي العلوية ( صحراوي ) إضافة للجزء الملحق بمشروع المقالدة إلا أن ذاك الملحق كان يخبئ ملحمة بطولية أخرى عندما حاول الطرفان بسط أحقيتهم على تلك الرقعة وتطور النزاع إلى شجار أودى بـ 25رجلاً من رجال مشو إلى السجن شهراً في محاولة لإثنائهم عن قضيتهم فما زادهم الأمر إلا تمسكا بأرضهم وكان لهم ما أرادوا ليبدءوا استصلاح 1900 فدان .

تأسست كمنية الزراعية عام 1959 بديلاً لجمعية مشو الزراعية واستهدفت زراعة الأراضي الخلوية إضافة لكامل أراضي جمعية مشو الزراعية. وفي غياب المشاركة الرسمية والدراسات الفنية وبالإمكانيات المتاحة تم تحديد مسار الترعة الرئيسية بهدف عمل الردميات المطلوبة التي تمكن من توصيل المياه إلى الأراضي العلوية إلا أن مستوى الأرض كان أعلى من إمكانية ريها من ذلك الموقع مما أرهق الأهل واستنزف قدراتهم وارتفعت قيمة السهم من 24 إلى 56 جنيه دون جـدوى وأقاموا ( وابور مناول ) لرفع المياه من ترعة إلى ترعة إلا أن المحاولة لم تكلل بالنجاح فتوقفت الجهود وانحصرت الزراعة في مساحة لا تزيد عن 400 فدان وتم توزيع الأراضي العلوية على المواطنين "كمترات" خاصة في محاولة لاستغلالها بحفر آبار جوفية . وجاءت القروض والمنح لإعادة الحياة في مشاريع الولاية إلا أن تأثر الدولة بالتحولات العالمية وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية جعلت تلك الأعمال فوق طاقة الناس وكانت القروض وبالاً على المشاريع والمساهمين. وجاء مشروع "كوربا" الزراعي الحكومي ليضخ مياه وابوراته لري نفس الأراضي العلوية أو الصحراوية التي تم نزعها من أهالي مشو.

المحاصيل والمنتجات الزراعية:

1/ التمور:
التمور بأنواعها المختلفة(القنديل والأبتمودا وأصناف أخرى غالبا ما يحتفظ بها في البيوت للاستهلاك وتقديمها في مناسبات الفرح والكره). أما البركاوي والجاو بأنواعه المتعددة فتعتمد عليها تجارة هذا المحصول.

2/ القمح :
يمثل الغذاء الرئيسي إذ الاعتماد عليه في عمل الرغيف البلدي والقراصة وقراصة التمر "سق" بعد أن إندثر صنع "البتاب". وهو محصول شتوي نقدي يعتمدون عليه في دخولهم.

3/ الذرة الشامية (مكادة):
احتلت المرتبة الثانية بعد القمح في تشكيلة التسلسل الغذائي بعد أن اندثرت زراعة الذرة الرفيعة لارتفاع تكلفة إنتاجها بجانب تفشي آفة نبات "الويل" الطفيلي.

4/ الفول المصري :
محصول شتوي يدخل في الغذاء اليومي لكل بيت في وجبتي الفطور والعشاء بجانب أنه محصول نقدي يغطي جزءا كبيرا من منصرفات الوابورات من وقود وقطع غيار.

5/ الخضر والفواكه :
عادة ما يتخصص في زراعة الخضر الإخوة من ذوي الأصول الصعيدية "الصعايدة" الذين برعوا في هذا النمط من ضروب الزراعة علما بأنهم مواطنون لهم ما لأهل المنطقة وعليهم ما عليهم. وتتمثل هذه الخضر في الطماطم والخيار والجذر والبامية والباذنجان والملوخية والرجلة والسلج والشمار والثوم والبصل والحلبة والبطاطس والجرجير والفجل والبنجر والعجور والفلفل بأنواعه والقرع بأنواعه بالإضافة للبطيخ والشمام .

أما الفواكه فقد دخلت ضمن الزراعة البستانية داخل المنازل وربما امتدت زراعتها مؤخرا في "الجناين" الخاصة بعد أن هرمت أشجار الفواكه في الجنينة العامة بمشروع مشو. وهي الموالح بأنواعها والمانجو والجوافة والموز والعنب.

6/ الأعلاف :
تزرع في مساحات لا بأس بها بقصد الاستهلاك والتجارة وهي تتمثل في البرسيم والذرة الرفيعة "الربيع" ويستخدم أخضرا أو يابسا في حزم تحفظ عادة فوق سقوف المنازل. والدخن واللوبيا0 كما يعتبر تبن القمح والفول من الأعلاف التي يعتمد عليها خاصة في فصل الشتاء.كما يتم تخزينها للاستفادة منها في فصل الصيف وموسم التحاريق.

الثروة الحيوانية:
كمعظم بقاع ريف السودان فإن تربية الحيوان تندرج تحت معينات الدخل الاقتصادي للأسر في مشو. فمعظم البيوت تعنى بتربية عدد قليل منه في حظائر عادة ما تكون بجوار البيت إن لم تكن داخله. ولأن تربية الحيوان لا تأتي على قمة مصادر الدخل، كما لدى الرعاة في مناطق أخرى من السودان، فإنهم يلجأون إليها لسد حاجة البيت والتحوط لبعض المناسبات مثل:
1/ أضحية العيد.
2/ مقدم أحد أفراد الأسرة من سفر.
3/ مناسبات الختان والخفاض.
4/ إكرام ضيف مفاجئ.
ولا يباع من الحظيرة رأس إلا أن يفيض عن حاجة البيت.
وتقوم تربية الحيوان في البيوت على:
1/ الضأن (عدد من النعاج وقليل من الخراف).
2/ الماعز (بعض أغنام وتيس واحد، لإنتاج السخلان التي غالبا ما تفي بالحاجة العاجلة). وتدر الماعز على البيت بالحليب الذي يفيض أحيانا ليدخل في عمل الروب والزبادي.
وتقوم معظم البيوت بتربية الدواجن كالدجاج والحمام ، لسد حاجتها اليومية من اللحوم البيضاء والبيض.
أما تربية الحيوانات الكبيرة كالأبقار، فيقوم بها البعض في حظائر داخل مزارعهم، حيث يسهل تعليفها، ولا يقوم بتربية الإبل إلا عدد قليل من المواطنين من ذوي الأصول العربية، وحتى هذا العدد القليل فقد زهد فيها بعد التطور السريع والكبير بدخول سيارات النقل الخفيف وعربات الكارو، إذ كان نقل البضائع والأحمال الثقيلة من مكان إلى آخر داخل البلدة يعتمد سابقا على الجمال. كما وأثر تزايد عدد السيارات على عدد الحمير الذي تقلص بدرجة ملحوظة بعد أن وجد المواطنون سهولة في استغلال السيارات و(الركشات) – خاصة النساء – في مشاويرهم القريبة.
التجارة:
مارس سكان المنطقة ضروبا متعددة من الأنشطة التجارية البسيطة التي بدأت بنظام مقايضة المحاصيل والمنتجات الزراعية كالتمور والغلال مقابل السلع والإحتياجات اليومية ومن ثم تطورت لأسلوب التجارة الحديثة. وإشتهرت مشو بكثرة نخيلها ومن ثم صادراتها من التمور وتسلم عثمان دياب (سر التجار) زمام التجارة في المنطقة وأصبح أكبر مصدري التمور ، إذ إمتدت تجارته وشقيقه محمد سليمان فضل الى بورتسودان والابيض وام روابة والنهود وجبال النوبة واقترنت تمورهم بالجودة والموثوقية وعززت السمعة الطيبة التي اكتسبها أهل مشو في مختلف المجالات.
الحرف والصناعات والمشغولات المنزلية:
منذ القدم سعت المرأة المشاوية شأنها في ذلك شأن العديد من النساء الريفيات للإستفادة من المادة المتوفرة حولها في صنع حاجياتها التي تعينها على تسيير حياتها. فكانت أول ما التقطت سعفات النخيل. فصنعت منها سلالا تجمع فيها غلتها المبعثرة وأغطية (طبق) لطعامها وقاية له من الأتربة ولرأسها حماية له من وهج الشمس ولتذرية غلالها. وصنعت أيضا الفرش الطويلة لمجالس الرجال والصلاة (البرش) والقصيرة المزركشة الألوان لمواسم الأفراح كالختان والزواج والنفاس وضروبا أخرى منها تخصها لذاتها في خدرها.كما صنعت من الطين والصلصال مواعين ضخمة تشبه صوامع العصر الحديث في وظيفتها (القسيبة) تحفظ فيها غلالها وتمورها من التعفن والفساد وأخرى صغيرة تدس داخلها الدواجن من عاديات الليالي القن (قوقه) . وصنعت من جلود الضأن والماعز والعجول أيضا (قراب) لحمل الماء واللبن والدهن ومنها أيضا فرش وأغطية تقي زمهرير الشتاء. أما الرجال فكانوا معنيين كثيرا بفتل الحبال من ألياف النخيل ونبات الحلفا والدوم ونجر العناقريب ونسجها. قامت مجموعة من الحرف والصناعات الصغيرة لتلبي إحتياجات الناس مثل صناعة الأثاث المنزلي والأبواب والشبابيك علاوة على قيام بعض الورش والمخابز.
top page

 
 
 
     
كافة الحقوق محفوظة لموقع مشو ©
تطوير وتصميم ريل سوفت