
و يقول التاريخ إن " مشو " إحدى أقدم القرى الضاربة في عمق التاريخ ، إذ إنها كانت، حسب ما أشار إليه عالم الآثار السويسري شارلي بونيه، إحدى جواهر منظومة مملكة النوبة القديمة والتي تعتبر أول حضارة قامت على وجه الأرض. وقد وجدت آثار كثيرة في أنحاء متفرقة منها " مشو " تدل على أن هذه المناطق كانت مأهولة بالسكان في عهود غابرة ، كما تدل رفات القبور على أن أصحابها دفنوا في عهود قبل الإسلام. وكذلك بعض الآثار التي تدل على أن سكان هذه المنطقة زاولوا مهناً مثل صهر الحديد وصناعات الفخار والزجاج المتطورة في زمن ما تشهد عليها المحفوظات التي أخذت من مشو إلى متحف السودان القومي مثل بعض المصاغات الذهبية والأواني الفخارية مما حدا بالسيد/أسامة عبد الرحمن النور مدير المتحف حتى العام 1971م لزيارة المنطقة والحجر على بعض المناطق مع شيخ البلد بألا تستغل لأي نشاط زراعي أو سكني لحين إشعار آخر.
والمؤكد أن مشو كانت أهم منطقة تجمع سكاني غرب النيل شمال دنقلا، ولا غرو أن أطلق اسم " مشو" على كافة تلك المنطقة حتى زمن قريب . وهذا ما أكده الرحالة والطبيب الفرنسي "مسيو بونسي" الذي زار المنطقة في العام 1698م، وأوضح في مذكراته أنه لم يجد عمراناً قائماً غرب النيل إلا في مشو .
وأخذت القرى تنتشر وتزداد وتنمو سكانياً وتضيق الجزر وسط النيل بسكانها ، فتراهم يهجرونها لغرب النيل وشرقه بحثاً عن أرض أرحب أو هرباً من فيضانات مدمرة . هكذا أخذت هذه القرى أسماءها وتتشكل مساحاتها حتى أضحت مشو في مساحتها الحالية محتفظة بكامل خصوصيتها وريادة مكانتها وما زالت الأمينة على نوبيتها والوصية على الاحتفاظ بلسان أجدادها رغم إفساحها المجال لتقلبات الدهر لتعطيها وتأخذ منها.
ورغم ما ورد في التاريخ القديم الذي أكد بسط مشو لنفوذها على الضفة الغربية إلا أن التاريخ الحديث عرف مشو ملتصقة بجارتها الشمالية "الحفير" إذ عرف كلاهما "بحفير مشو" حتى حسب الناس أن المسمى لقرية واحدة رغم تبعيتهما لشياختين مستقلتين. ومرد ذلك، للعلاقات الأسرية المتجذرة للقريتين إذ لا تخلو أسرة هنا من رابط أسري هناك.
مشو إذن هكذا مزيج من عبق قديم وكوة مفتوحة لاشراقات حاضر واعد بإذن الله لا يألو بنوه جهداً أن يجعلوه شعلة تضيء للأجيال اللاحقة سراديب المستقبل الآتي بإذن الله.
اعتمد المستعمر البريطاني لحكم السودان الإدارة الأهلية والتي كانت تتمثل في النظار والعمد والمشائخ. ولم تكن مشو بدعة في ذلك حيث كانت كبقية المناطق تدار بنظام المشائخ وكانت تتبع لعمودية بلنارتي، وهي تضم الشياخات التالية: شياخة (كوربا وكويا ودمبو) وشياخات كل من بركية ومشو والحفير وسروج وأكد وكان شيخ المشائخ في تلك الفترة هو الشيخ حسن محمد بك.
أما العمودية فكانت في أسرة طه الملك وكان الزبير حمد الملك هو ناظر عموم الدناقلة للمنطقة الممتدة من الغدار جنوبا وحتى أبو فاطمة شمالا. وكانت جميع الجزر تابعة لنظام الإدارة الأهلية للضفة الشرقية.
المهام الرئيسية للشيوخ :
جمع خراج الزروع والنخيل، وتوريده لخزينة الدولة كمورد رئيسي للمجالس الريفية، وحل جميع المشاكل والنزاعات في فترة لم تكن قد انتشرت فيها مراكز الشرطة بعد0 وكانت للعمد محاكم دورية في كل قرية يمر عليها العمدة للنظر في المشاكل المستعصية. وقد مر على مشو عدد من المشائخ، كان أولهم الشيخ محمد الأمين ثم أعقبه عبد الرحيم محمد نصر وبعد وفاته خلفه ابنه محمد نصر عبد الرحيم الذي حالت اعماله التجارية الواسعة دون القيام بمهام الشياخة فتنازل عنها وخلفه ابنه الشيخ عبد الرحمن عبد الرحيم وخلفه ابنه عبد الرحيم الذي توفي بعد فترة قصيرة من توليه الشياخة فخلفه شقيقه الشيخ ياسين عبد الرحمن والذي يعتبر من أميز المشائخ الذين مروا على مشو لما كان يتمتع به من ذكاء وحكمة وبعد نظر بالإضافة إلى مساهمته المقدرة في تعليم النشء حتى وفاته عام 1969م، حينها تم تكليف الشيخ فقير على إبراهيم لإدارة الشياخة واستدعي الشيخ عبد المتعال عبد الرحمن من مهجره بالسعودية لتولي المنصب حيث عاد وتزامنت عودته مع عودة محمد علي الجزولي والذي كان له رأي آخر في كيفية اختيار الشيخ وتمكن من إقناع جهات الاختصاص لتصبح بالانتخاب وترشح للمنصب وحالفه التوفيق ليصبح أول شيخ بالانتخاب وكان ذلك عام 1970م0 وفي العام 1971م تولى الشيخ حسن احمد عبد الرحيم بالانتخاب ايضاً حتى عام 1976م إذ استقال وخلفه الشيخ عبد المتعال عبد الرحمن حتى وفاته عام 1980م ،عندها أبدت أسرة عبد الرحيم زهدها في هذا المنصب والذي ارتبط بأسرتهم قرابة القرن من الزمان. لذا، لجأت الحكومة لإجراء الانتخابات لاختيار الشيخ الجديد وترشح له كل من الأمين إبراهيم عبد القادر وعبد الكريم عبد الوهاب سيد احمد أسفر عن فوز عبد الكريم واستمر في منصبه حتى تم إلغاء نظام المشائخ واستبداله باللجان الشعبية0 ويعتبر عبد الكريم عبد الوهاب آخر شيوخ مشو وهكذا كانت البداية من آل أمين والنهاية من نفس الأسرة.


