الهجرة و تأسيس الروابط و الجمعيات:

عند دخول إسماعيل باشا إلى السودان وبوصوله إلى مشو وجد الناس في رغد من العيش فأثقلوا كاهلهم بالضرائب كغيرهم وحملوهم فوق طاقتهم0 وأمام قسوة الجباة لم يجد الكثيرون بداً من بيع أملاكهم ومفارقة الديار ضاربين في فجاج الأرض مرددين:
لو كان الترك حوض رمله حوض الرملة تب ما بيروى

وبقي من بقي متحفزاً للثأر إلى أن جاءتهم دعوة الإمام محمد احمد المهدي فأنطلق ثلة من الشباب يحملون بيعة وأشواق الكبار ولازموه ورافقوه في غزواته مشكلين كتيبة من أبناء حفير مشو تحت إمرة قائدهم محمد عثمان أبوقُرجة (أبو قُرجة تعني بالنوبية "أبو ستة" وتطلق على من زادت أصابع يده عن المألوف)، وكان أبرزهم:-
1- المجاهد زيادة عبد الرحمن ابنعوف الذي سبقت هجرته مكاتبات بينه وبين الامام المهدي
2- المجاهد فضل هاشم وقد استشهد في موقعه كرري
3- المجاهد محمود شميله وقد استقر بالعباسيه بأمدرمان وكان أمين الشونة في عهد الخليفة عبد الله ومقره دار الرياضة أمدرمان الحالي ( بيت مال المهديه )0 وكانت داره قبلة لأبناء مشو حتى بعد رحيله ونزوح أبنائه وأحفاده إلى القطينه وكسلا وهو جد الشاعر الدبلوماسي صلاح احمد إبراهيم0
4- المجاهد عثمان مقيوده واستقر بالموردة وهو صهر الدرديري نقد ( نقد اسم اختص به الدناقلة مثل سوركتي وساتي ) وقد شغل الدرديري عدة مناصب مع رحيل الحكم الانجليزي وتباشير الاستقلال، أهمها رئاسة لجنة السودنة وهو والد الدكاترة عبد العزيز وعبد الرحمن وسيده.
5- المجاهد إدريس نايل وقد استقر بالعباسيه بأمدرمان وهو جد بابكر الحاج شيخ عيسى
6- المجاهد فضل عثمان " قولّي " وهو والد عوض "عوضون"0
وتفرق بعضهم في نواحي البلاد المختلفة، وكما عاشوا سادة في ديارهم فقد بسطوا نفوذهم أينما حلوا واستأثرت ارض القطينه البكر بغالبية النازحين من أهل حفير مشو وقد كتب عنهم أبناء القطينه في موقعهم الإلكتروني باستفاضة.

أما إدريس أبتر الدنقلاوي وابنه عثمان فقد حطا الرحال ببحر الغزال واثروا التجارة بين الشمال والجنوب وتجاوزت أملاكهم الجنوب وامتلكوا مساحة 5 سواقي على ضفاف النيل الأزرق بالخرطوم وهي المنطقة التي قامت عليها المؤسسات الحكومية بدءاً بالقصر الجمهوري بعد أن استولى عليها الانجليز.

وتعددت الأسباب وتواصلت الهجرة بقدوم الانجليز إذ ذكر البروفيسور عون الشريف قاسم في إحدى محاضراته أن المستعمر لحظ ذكاء فطرياً في أبناء الشمال وتعطشاً شديداً للتعلم فقرر تهجيرهم ليذوبوا في المجتمعات الأخرى ويشكلوا السودان الجديد0 فكانت توصية المستعمر للولاة والمحافظين بأن يتم تعطيل التنمية في الإقليم الشمالي وأن يكون آخر المستفيدين من ثمرة أية نهضة تنموية ، وبخاصة النهضة التعليمية 0 فاقتصر التعليم على التعليم الديني والزراعة على الشريط الضيق بمحاذاة النيل والذي يمكن ريه بواسطة الشادوف أو الساقية ، الأمر الذي أضطر معه أبناء الشمالية للهجرة لمناطق كثيرة داخل الوطن وخارجه0 ومن ثَم بدأت الهجرة الأولى إلى مصر – أم الدنيا وأم المعارف في ذاك الزمان0 ولأرض الكنانة شد آباؤنا رحالهم ، ومنذ أن وطأت أقدامهم أرض مصر اتضح جلياً أنهم أصحاب رسالة واضحة ، إذ لم يأتوا ليذوبوا في المجتمع المصري رغم جاذبيته، بل سارعوا بإنشاء دار خاصة بهم ، فأسسوا رابطة دنقلا الخيرية بشارع بستان 39 عابدين – القاهرة عام 1356هـ الموافق 1937م ، برئاسة الشيخ / أحمد نصر عبد الرحيم التي افتتحها النقراشي باشا – رئيس وزرا مصر آنذاك - ومثل أبناء مشو الواجهة الأمامية لهذه الدار ، إذ أنهم كانوا أصحاب الفكرة ، وفتحوا عضوية الدار لكل السوادنيين برسم شهري قدره عشرون مليماً0 وهكذا أصبحت هذه الدار ملاذاً للسودانيين القادمين للعمل أو التعلم أو الاستشفاء ، ووجدت الرعاية الكاملة من حكومة الملك فاروق وحكومة الرئيس عبد الناصر0

ولا شك أن توافد الرعيل الأول من آبائنا على مصر كان له أثر كبير في تغيير أوجه كثيرة من الحياة في مشو، إذ أن الدارسين في الأزهر الشريف كانوا لبنة الدعوة لتأسيس ثورة تعليمية حديثة، كما أن الإشعاعات التي تم اقتباسها من جذوة الحضارة في مصر، كان لها أثر واضح في مناحي حياتية كثيرة 0

وقد بدأت الهجرة الثانية نحو أرض الحرمين الشـريفين ، إذ أن أهلنا كانوا من أوائل القادمين إليها إذ وصلها " خضرتود " و" علي ماشي " في بدايات العام 1918م وتبعهم خليل عبد الحفيظ وشقيقه سعيد ، وتوالت الهجرات الأحادية بغرض العمل0 وازدادت الهجرات كثافة بعد العام 1930م ، كما أن قدوم أصحاب الهجرة الأولى لمصر إلى أرض الحرمين أعطى للوجود المشاوي زخماً قوياً ، وتبلور الوجود المشاوي بالحجاز بقدوم الحاج / محمد أبوبكر قاضي وإخوانه، وكعادة أهلنا كان لا بد من أن ينتظموا في دار تجمع هذا الشمل ، فكان أن تم إنشاء جمعية مشو الخيرية بجدة في العام 1946م ، كأول جمعية خيرية وباشتراك شهري قدره ريالان، ويتبع لها أبناء مشو بمكة المكرمة والمدينة المنورة حيث الشيخ محمد احمد أبوبكر قاضي احد دعاة الحرم النبوي الشريف ومحمد احمد الحاج.

وقد أسهمت الجمعية بدور كبير في كافة المناسبات القومية إذ أنها كانت تقوم مقام السفارة قبل استقلال السودان وكانت دارا لكافه السودانيين القادمين إلى المملكة0 كما كان لأبناء مشو بجده دورا فعالاً في دعم السفارة عند تأسيسها وكانت سنداً لسفيرنا السيد محجوب مكاوي أول سفير للسودان بالمملكة0 ومن ابرز إسهامات أبناء مشو على المستوى القومي من خلال جمعيتهم الاحتفال باستقلال السودان بملعب الصبان بجده عام1956 في حفل خطابي ورياضي بهيج إذ جلبوا أدوات الجمباز من بورتسودان خصيصاً لهذه المناسبة التي حضرها سمو الأمير عبد الله الفيصل وتم رفع علم أبيض بخط اصفر0 كما ساهموا إسهاما مقدرا في مال الكرامة لإنهاء خدمة الكادر الانجليزي بالسودان واحتفلوا بالزعيم إسماعيل الأزهري عند توقفه بجدة في طريق عودته من مؤتمر باندونق وأقاموا فصلا لمحو ألاميه بالجمعية وتولى مصطفى احمد وساتي دبلاوي وعوض خليلي التدريس فيه0 ومازالت الجمعية تواصل نشاطها من نفس المقر (بحي الواسطة- نكتو سابقاً) وتجدد نشاطها مع كل قادم جديد , وتضم نفراً كريما من أبناء مشو الذين يعملون كحلقه وصل بين المناطق الأخرى وأهل مشو , ويمثل منزل تاج الدين باجوري الحديقة الخلفية للجمعية0 ومن أنشط أبناء مشو بجده الأستاذ عبد الله محمد عبد الدائم رئيس رابطة الشمالية والدكتور زيادة عبد الله زيادة الذي أفاد القرية كثيرا بعلاقاته وأياديه الممتدة بالعطاء لتنمية مشو0 ويبقى رجل الأعمال عثمان عبد العزيز أبوبكر الأبرز بين أبناء مشو بالمهجر إذ أن ما يقارب من 40 موظفاً من أبناء مشو يقومون على إدارة أعماله بالسودان والمملكة والإمارات ويسهم بماله وجهده في كافة المناشط والمناسبات الخاصة بمشو .

ولم يحد المشروع الزراعي الضخم الذي روى اليابسة في مشو 1935م، كأول مشروع تعاوني في السودان، من الهجرة رغم ما توفرت بسببه من وسائل الاستقرار بل تواصلت الهجرة وآثر البعض مواصلة المسير إلى الرياض والمنطقة الشرقية0 وفي المنطقة الشرقية تأسست إحدى أقوى جمعيات أبناء مشو بالخارج في عام 1953م بزعامة عبد الكريم زيادة وعضوية محمود محجوب وثلة من أبناء مشو واشتهرت الدار باسم "العايمة" ومقرها الخبر، وكانت ملتقى لأبناء السودان عامة ومنطقة دنقلا خاصة وكانت لها أذرعه قوية خاصة في منطقة الخفجي بقيادة احمد بله وفي الإحساء بقيادة عباس سيد احمد رئيس الجالية السودانية بالإحساء آنذاك0 وتعتبر العايمة اقوي جمعيات أبناء مشو بالمهجر وأكثرها عطاء، خاصة في فترة تولي عبد الكريم زيادة لقيادتها .

ورغم تزامن الوجود المشاوي في الرياض مع الشرقية إلا أن تأسيس جمعيتها تم عام 1958برئاسة ساتي باجوري وعضويه عبد اللطيف سيد احمد ومحمد إدريس خاطي وأبناء علي شيخ خضر وعثمان أحمد نقد وآخرون وكان لحسن نصر عبد الرحيم دوراً هاماُ في تنظيم أعمال الجمعية بما اكتسبه من خبرة في تأسيس رابطة دنقلا الخيرية بمصر0 ولا يذكر أبناء مشو بالرياض إلا وذكر الزعيم سيد احمد عبدون . مازالت منطقة القصيم تتبع للرياض بقيادة محمد احمد حامد ( كبر ) رئيس الجالية السودانية بها منذ عام 1950م.

حرص أبناء مشو في كافة أرجاء المملكة على عضويتهم في هذه الجمعيات ولم يحول بعد من نأى من المشاركة، وما غاب عن أبناء مشو أن إيثار الغير هو أهم أركان الاغتراب وان المغترب هو المستفيد الأخير من اغترابه، فعملوا بكل جد ونكران ذات لإسعاد أسرهم وأهلهم والنهوض بقريتهم فكان لهم القدح المعلا في كافة المشاريع التي بالبلد بدءاً بمشروع مشو الزراعي وكمنية الزراعية ومستشفى مشو وشبكة المياه وكافة مدارسها ولم تقتصر المساهمة في الإنشاء بل تابعوها بالمساهمة في الصيانة والتشغيل حتى تقدم أفضل الخدمات لأهل مشو والقرى المجاورة، وقد ضربوا أروع الأمثلة في التكافل وهم دوماً عون لكل من يستحق العون والمساعدة.

امتدت هجرة أبناء مشو إلى مناطق أخرى أهمها الإمارات العربية المتحدة التي كان أول الواصلين إليها إبراهيم صالح وكانت داره قبلة للقادمين إليها من أبناء مشو وغيرهم0 ولم يتمكن أبناء مشو من تأسيس دار خاصة بهم هناك لقلة عددهم وتباعد المسافات بين مختلف الإمارات حيث أماكن عملهم وإقامتهم إلا أنهم حضور في كافة المناسبات ويعملون يداً واحده ويمثل مولانا عبد المطلب على الرشيد وجهاً من الوجوه المشرقة في الإمارات وله إسهامات مقدره في مختلف أعمال الخير بمشو . كما قدمت مشو للوطن من بوابة الإمارات الشهيد عمار عثمان الرشيد ( مصعب السودان )0
وبدوله قطر نفر كريم من أبناء مشو وهم على اتصال وتواصل بأهلهم0 ولم تقف هجرة أبناء مشو عند أعتاب الدول العربية بل تعدتها ووصل شبابها إلى مختلف الدول الأوربية وأمريكا وكندا، ورغم حداثة وصولهم لتلك البلاد إلا أنهم يعملون لخدمة أهلهم وبلدهم.

كان لهجرة غير المتعلمين إلى الخارج أثرا بالغاً إذ ترك انطباعاً بأن المتعلمين مكانهم الداخل فاستقروا بالعاصمة وبورتسودان ومعهم عدد مقدر من الحرفيين0 وتشكلت رابطة أبناء مشو بالخرطوم، بغرض تكثيف الجهود لخدمة المنطقة ثقافياً واجتماعيا، في عام 1961م الموافق 1381هـ باشتراك شهري وقدره 25 قرشاً وتم إعداد المقر بالحلة الجديدة وانتقلت الدار إلى مقرها الجديد بالصحافة خلف كمبيوترمان على ارض ملك لم يكتمل تشييدها بعد حيث يزاول الأعضاء نشاطهم ويواصلون دعمهم لكافة الأنشطة بالبلد من خلال تواجدهم بالدار0 كما مثلت مكتبة حسن الشيخ محمد سوركتي"برسي" وتعني (التوأم بالدنقلاوية) بالسوق العربي نقطة التقاء هامة لأبناء مشو وهم في طريق عودتهم من أعمالهم أو لقاء قادم جديد0 جاءت بعدها فنادق أبناء مشو بالخرطوم لتقوم بنفس الدور،مثل: فندق بحر الغزال وبورتسودان والرياض والوحدة ومنى وعبد الدائم والخليل والسلام وقصر النيل وفندق الفيصل.
أما بورتسودان فقد مثلت البوابة التي انطلق منها أبناء مشو إلى بلاد المهجر واستقر بها من زهد في الهجرة ومثلوا رقما بين تجار بورتسودان إذ كان فضل قرافي عبد الرحيم وسيد احمد دبلاوي ومحمد سعيد أبوريدة من كبار تجارها، ومازال أبناؤهم يحملون الشعلة كما شكلوا حضوراً في مختلف مناحي الحياة وأسسوا زاوية أبناء مشو بحي سلبونا 1935م برعاية عبد الرحيم شرفي وإخوانه، ومازالت تمثل ملتقى لأبناء مشو ببورتسودان في كافة المناسبات الاجتماعية0 كما أن دار أبناء مشو بحي الاغاريق التي افتتحها الأمير نقد الله وزير الداخلية آنذاك والسيد عز الدين السيد عام 1967م كانت من أنشط الدور الثقافية والاجتماعية في بورتسودان إلى أن توقف نشاطها بقرار من الرئيس نميري في وجه الأندية القبلية.

لم يكن الطلاب بمنأى عن هذه الجمعيات إذ كانوا يمارسون نشاطهم من داخل أنديه مشو بالخرطوم وبورتسودان ورابطة أبناء دنقلا بجامعة الخرطوم0 ومع التوسع التعليمي وتزايد الجامعات والمعاهد العليا فقد تأسست رابطة أبناء مشو بالجامعات والمعاهد في عام 1991م برئاسة الدكتور عبد الكريم هاشم ومازالت تقوم بنشاط فاعل في الإجازات الصيفية.

top page

 
 
 
     
كافة الحقوق محفوظة لموقع مشو ©
تطوير وتصميم ريل سوفت